الحوض الشرقي خارج الحوار الوطني.. إقصاء سياسي رغم الولاء الانتخابي

أربعاء, 01/14/2026 - 11:21

في لحظةٍ وطنية يُفترض أن تكون جامعة ومؤسِّسة لمسار جديد في تاريخ البلاد، جاء تشكيل ممثلي الأحزاب المشاركة في الحوار الوطني ليكشف، بوضوحٍ لا لبس فيه، عن استمرار اختلالٍ بنيوي عميق في مقاربة الدولة والفاعلين السياسيين لمسألة التمثيل السياسي والعدالة الجهوية.
فقد بدا المشهد، منذ الوهلة الأولى، صادمًا ومخيبًا للآمال، خاصة عند التمعّن في الغياب شبه الكامل لولاية الحوض الشرقي عن الخارطة التمثيلية لهذا الحوار المصيري، وكأن هذه الولاية، بثقلها الديمغرافي والجغرافي، لم تكن يومًا جزءًا من معادلة الوطن.
إن المتابع للتحضيرات الممهدة للحوار الوطني سيدرك، دون عناء، خلو الطيف السياسي المشارك من أي تمثيل حقيقي لولاية الحوض الشرقي.
ورغم الترويج لوجود “شخصية وطنية من الشرق”، فإن خلفيتها القومية وانخراطها في حسابات تتجاوز خصوصيات الولاية وهمومها اليومية يجعل حضورها رمزيًا أكثر منه تمثيليًا.
فالمسألة هنا لا تتعلق بالانتماء الجغرافي الشكلي، بل بالقدرة على حمل مطالب السكان والدفاع عنها داخل فضاء يُفترض أنه يُنصت لكل الجهات دون تمييز.
ويأتي هذا الإقصاء السياسي ليضاف إلى إقصاء اقتصادي وتنموي مزمن عانت منه الولاية لعقود.

فالحوض الشرقي، رغم وضعه الاجتماعي والاقتصادي المؤلم، ما يزال يعاني نقصًا حادًا في الخدمات الأساسية، وتراجعًا مستمرًا في المستوى المعيشي، وارتفاعًا مقلقًا في نسب الفقر والبطالة، خصوصًا في أوساط الشباب.
وقد فاقم هذا الوضع نزوح أعداد كبيرة من اللاجئين، إضافة إلى تردي الأوضاع الأمنية على الحدود الشرقية بفعل الاقتتال الدائر بين الجيش المالي والحركات المسلحة، ما وضع الولاية أمام ضغوط إضافية دون أن يقابلها أي دعم استثنائي أو مقاربة تنموية جادة.
إن إقصاء ولاية الحوض الشرقي، وهي كبرى ولايات الوطن من حيث الكثافة السكانية والامتداد الجغرافي، ليس مجرد سهوٍ عابر أو خطأ تقني في التمثيل، بل هو إقصاء صريح يعكس ذهنية مركزية ما تزال تنظر إلى بعض الجهات بوصفها هامشًا انتخابيًا لا شريكًا كامل الحقوق.

وكأن أبناء هذه الولاية غير معنيين بنقاش وطني يُراد له أن يرسم ملامح المستقبل السياسي والاقتصادي للبلاد.
ولا يمكن فهم هذا الواقع بمعزل عن تاريخٍ طويل من التعاطي الانتهازي مع الولاية، حيث دأب كثير من سياسييها (للأسف) على مسايرة الأنظمة المتعاقبة دون شروط واضحة أو سقفٍ سياسي يحفظ كرامة الجهة ومصالح سكانها.
فقد قبل بعضهم بأدوار هامشية مقابل تعيينات إدارية أو امتيازات ظرفية، وتحولوا تدريجيًا من ممثلين لمطالب المواطنين إلى أدوات طيّعة في يد السلطة.
أدوات تُبرِّر الفشل، وتُجمِّل الإخفاقات، وتصمت عن التهميش، وتستبدل الدفاع عن الحقوق العامة بالسعي وراء منافع خاصة غالبًا ما تُستنزف عبرها الموارد بدل أن تُوجَّه للتنمية المستدامة.
والمفارقة الأكثر إيلامًا أن ولاية الحوض الشرقي، التي تتصدر البلاد من حيث عدد السكان، لعبت منذ إعلان التعددية السياسية دور “الخزان الانتخابي” المجاني للأنظمة المتعاقبة.
أصوات تُمنح بسخاء، وولاءات تُقدَّم بلا مقابل سياسي أو تنموي، في وقت ظلت فيه الولاية تتخبط في اختلالات بنيوية عميقة:
بنى تحتية هشة، خدمات صحية وتعليمية متردية، فرص عمل شبه منعدمة، وتهميش تنموي صارخ مقارنة بولايات أخرى أقل وزنًا ديمغرافيًا وأضعف حضورًا انتخابيًا.
إن الدعم السياسي غير المشروط الذي قدّمه فاعلون من الحوض الشرقي للأنظمة السابقة والحالية لم يكن مجرد خطأ تكتيكي عابر، بل تحول إلى عقبة حقيقية أمام أي مشروع إصلاح أو تغيير جاد.
فحين تُكافَأ الطاعة العمياء ويُعاقَب النقد البنّاء، تُفرَّغ السياسة من مضمونها، ويُرسَّخ منطق الريع والزبونية بدل منطق الحقوق والمساءلة، وتُغتال مبادئ العدالة والحكم الرشيد لصالح صفقات قصيرة الأمد لا تخدم إلا قلة محدودة.
وقد أثبتت التجربة، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الارتماء في أحضان السلطة دون رؤية أو شروط واضحة لا يحمي الجهات ولا يضمن حضورها في دوائر القرار، بل يُنتج مزيدًا من التهميش والإقصاء.

فالحوض الشرقي اليوم خارج دائرة التمثيل في حوار وطني يُفترض أنه شامل، وخارج أولويات القرار التنموي، وخارج حسابات الأحزاب سواء الموالاةً منها أو المعارضة، كلها لم تجد حرجًا في تجاهل ولاية بأكملها.
إن المسؤولية في هذا الوضع مسؤولية مزدوجة، مسؤولية سلطة مركزية لا تزال تتعامل مع الولايات بمنطق الولاءات لا الحقوق، ومسؤولية نخب محلية قبلت بالدونية السياسية ورضيت بأن تكون شاهد زور بدل أن تكون صوتًا حقيقيًا للمواطنين.
وما لم تُراجَع هذه المعادلة المختلة، ويُعاد بناء التمثيل السياسي على أسس الكفاءة والاستقلالية والارتباط الصادق بقضايا الناس، فإن ولاية الحوض الشرقي ستظل تدفع ثمن “الولاء المجاني”، وسيبقى الحوار الوطني، مهما حسنت نواياه (منقوصًا)، وعاجزًا عن ادعاء الشمول أو تمثيل الإرادة الوطنية الجامعة.
مولاي الحسن مولاي عبد القادر