لذلك أسقطت كفاءة المرأة الموريتانية أسطورة الرجل المدير

جمعة, 05/08/2026 - 15:38

لم يعد الحديث عن الفساد والمحسوبية وسوء تسيير المال العام في موريتانيا مجرد انطباعات شعبية عابرة، بل تحول إلى حقيقة يومية يلمسها المواطن في تعطل المشاريع، ورداءة الخدمات، وضياع المليارات في دهاليز الصفقات المشبوهة، والولاءات الضيقة، وشبكات المصالح التي سيطرت على مفاصل الإدارة العمومية لعقود طويلة.

والأخطر من ذلك أن هذه المنظومة لم تعد تُنتج سوى المزيد من الفشل، بينما يُطلب من المواطن البسيط أن يدفع الثمن وحده من معيشته وكرامته ومستقبل أبنائه.

لقد أثبتت تجارب عديدة أن جزءا كبيرا من النخب الرجالية التي تعاقبت على إدارة المؤسسات العمومية تعاملت مع الوظيفة العمومية باعتبارها غنيمة سياسية وفرصة للإثراء وتصفية الحسابات وتوزيع الامتيازات، لا باعتبارها أمانة ومسؤولية وطنية.

ولذلك انتشرت ثقافة المحسوبية والزبونية، وتحولت بعض الإدارات إلى فضاءات مغلقة تتحكم فيها القرابة والولاءات الشخصية أكثر مما تتحكم فيها الكفاءة والنزاهة.

ولعل ما يثير السخرية المريرة أن كثيرا من هؤلاء المسؤولين يملؤون الفضاء الإعلامي ضجيجا بالشعارات والخطب الرنانة، بينما تظل حصيلتهم على الأرض مجرد مشاريع متعثرة، وموازنات منهوبة، وخدمات منهارة، ومواطن مسحوق لا يجد أبسط حقوقه في الماء أو الصحة أو النقل أو التعليم.

لقد بدى جليا أن اسطورة "الرجل المدير" شكلت عائقا أمام مبدأ النزاهة في تسيير المال العام، وفشل هذا النموذج الإداري القائم على الاستعراض والامتيازات في بناء مؤسسات قوية تحترم المال العام وتضع مصلحة المواطن فوق المصالح الشخصية.

وفي مقابل هذا المشهد القاتم، برزت المرأة الموريتانية كنموذج مختلف في الإدارة والتسيير، حيث أثبتت في أكثر من مؤسسة أنها قادرة على تحقيق نتائج ملموسة بعيدا عن ثقافة النهب والاستعراض الفارغ.

فالعديد من المؤسسات التي تولت النساء قيادتها شهدت تحسنا واضحا في الأداء والانضباط والخدمات، وهو ما يعكس وجود عقلية أكثر التزاما بالمسؤولية وأكثر قربا من هموم المواطنين.

ومن أبرز النماذج التي لا يمكن تجاهلها، جهة نواكشوط، التي لعبت دورا محوريا في صناعة وجه حضري أكثر لياقة للعاصمة، من خلال الشوارع وتحسين المشهد العمراني، ودعم النظافة، والمساهمة في مشاريع تشغيل وتنموية أعادت بعض الاعتبار لمدينة ظلت لعقود ضحية الإهمال والفوضى وسوء التخطيط.

فرغم محدودية الإمكانات، استطاعت الجهة أن تفرض حضورا فعليا على الأرض، وأن تقدم صورة مغايرة لما اعتاده المواطن من وعود بلا أثر.

كما أن شركة النقل العمومي تمثل بدورها نموذجا ناجحا على قدرة المرأة الموريتانية على إدارة المرافق الحيوية بكفاءة عالية، حيث تمكنت الشركة من المساهمة في تخفيف أزمة النقل بالعاصمة، ووفرت للمواطنين خدمة ظلت لسنوات رهينة الفوضى والاستغلال وغياب التخطيط.

وقد أثبتت التجربة أن الإدارة الجادة لا تحتاج إلى الضجيج الإعلامي بقدر ما تحتاج إلى الانضباط والوضوح والإحساس بالمسؤولية.

إن نجاح المرأة الموريتانية في هذه النماذج وغيرها ليس صدفة، ولا مجرد استثناء عابر، بل هو نتيجة طبيعية لأسلوب مختلف في التسيير، يقوم على المتابعة والانضباط واحترام الموارد العمومية، بعيدا عن عقلية “تقاسم الكعكة” التي أرهقت الدولة وأفقدت المواطنين الثقة في كثير من المسؤولين الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بالصفقات والامتيازات والفساد.

لقد آن الأوان لإعادة تقييم التجربة الإدارية في البلد بعيدا عن العقلية التقليدية التي تحتكر المناصب وتقصي الكفاءات النسائية.

فالواقع أثبت أن المرأة الموريتانية ليست مجرد واجهة تجميلية في المشهد السياسي والإداري، بل شريك حقيقي قادر على تحقيق النجاح متى أتيحت له الفرصة.

بل إن بعض النساء أثبتن من النزاهة والجدية ما عجز عنه كثير من الرجال الذين استنزفوا موارد الدولة دون أن يتركوا أثرا يذكر سوى مزيد من الأزمات.

إن الدفاع عن تمكين المرأة في مواقع القرار اليوم لم يعد مجرد مطلب حقوقي أو شعار سياسي، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها نتائج الواقع نفسه.

ومهما يكن من أمر، فإن الدول لا تبنى بالشعارات، وإنما بالكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة الناس، وهي صفات أثبتت المرأة الموريتانية حضورها فيها بجدارة وكفاءة، بينما لا يزال كثير من الرجال غارقين في دوائر الفساد والمحسوبية وتغليب المصالح الضيقة على المصلحة العامة، لذلك أسقطت كفاءة المرأة الموريتانية أسطورة الرجل المدير.

مولاي الحسن مولاي عبد القادر