العطش يحاصر مدينة النعمة.. أربعة أيام من صمت شركة المياه

خميس, 10/01/2026 - 15:02

تعيش مدينة النعمة منذ أربعة أيام على وقع أزمة عطش خانقة، في مشهد يكشف مرة أخرى حجم الاختلالات التي يعاني منها قطاع المياه، وسط عجز واضح عن إيجاد حل سريع يخفف معاناة السكان.
فمنذ انقطاع المياه عن الشبكة، وقف «حمار شركة المياه» عاجزاً عن إيصال قطرة واحدة إلى منازل المواطنين، كما غابت البدائل التي كان يفترض توفيرها في مثل هذه الظروف الاستثنائية.
أربعة أيام كاملة والسكان ينتظرون عودة المياه، بينما تتسع دائرة المعاناة يوماً بعد آخر، وتزداد حيرة السلطات المحلية وحسرة المواطنين الذين وجدوا أنفسهم أمام أزمة تمس أبسط مقومات الحياة.
ولم يتوقف الأمر عند العطش، فقد انعكس الانقطاع مباشرة على أسعار المياه، حيث ارتفع سعر قنينة المياه المعبأة في بعض أحياء المدينة إلى نحو 200 أوقية قديمة، في حين تجاوز سعر برميل المياه 200 أوقية جديدة.
وبينما تستطيع بعض الأسر الميسورة مواجهة الأزمة من خلال شراء المياه المعبأة، تجد الأسر الهشة نفسها أمام خيارات محدودة، دفعتها إلى اللجوء إلى الآبار المالحة، رغم المخاطر التي قد تترتب على استعمال مياه غير صالحة للشرب.
إن ترك مدينة بأكملها تواجه العطش لأربعة أيام متتالية ليس مجرد خلل عابر، بل هو مؤشر يستدعي المساءلة حول مستوى الاستعداد والاستجابة للأزمات.
فشركة المياه ليست مؤسسة هامشية يمكن أن يتقبل المواطن غيابها، وإنما مرفق عمومي يرتبط مباشرة بصحة السكان وحياتهم اليومية، وأي عجز طويل في توفير الخدمة الأساسية يضع المسؤولية الإدارية والأخلاقية في الواجهة.
والأكثر إثارة للاستغراب أن أزمة المياه تتزامن مع انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي، لتجد مدينة النعمة نفسها محاصرة بأزمتين في آن واحد: لا ماء يصل إلى المنازل، ولا كهرباء مستقرة تساعد السكان على مواجهة الظروف الصعبة.
وهكذا تتراكم معاناة المواطنين، فيما تبدو الحلول المؤقتة غائبة أو محدودة، وكأن السكان مطالبون بتحمل نتائج أعطاب المرافق العمومية دون أن يجدوا تفسيراً مقنعاً لما يحدث.
إن استمرار الأزمة بهذا الشكل يطرح أسئلة جدية حول الصيانة والجاهزية وخطط الطوارئ، وحول مدى قدرة المؤسسات المعنية على التدخل السريع عندما تتوقف خدمة أساسية عن العمل.
فهل يعقل أن تنقطع المياه عن مدينة بحجم النعمة أربعة أيام، دون أن تكون هناك آلية واضحة لتوفير صهاريج وبدائل عاجلة للسكان؟
وهل أصبح المواطن مطالباً بالبحث بنفسه عن الماء، ودفع أسعار مضاعفة للحصول على ما يفترض أن يكون خدمة أساسية ومتاحة للجميع؟
ولعل ما يحدث في النعمة لا ينبغي أن يمر كخبر عابر، لأن العطش ليس أزمة يمكن تأجيلها إلى حين انتهاء الأعطال، ولا قضية تحتمل الانتظار والمواعيد المفتوحة.
وإذا كانت الأعطال الفنية أمراً وارداً، فإن غياب التدخل السريع والبدائل هو ما يجعل الأزمة أكثر قسوة، ويحوّل الخلل التقني إلى معاناة اجتماعية واسعة.
كما أن ارتفاع أسعار المياه في ظل الأزمة يفتح الباب أمام استغلال حاجة المواطنين، خصوصاً الفئات الأكثر هشاشة، التي لا تملك القدرة على شراء كميات كبيرة من المياه بأسعار مرتفعة.
لقد آن الأوان لأن تتعامل الجهات المعنية مع أزمة النعمة باعتبارها حالة طارئة تتطلب تدخلاً فورياً، لا مجرد انتظار عودة المياه عبر الشبكة.
فالمطلوب ليس بيانات تبريرية، وإنما حلول ملموسة: إصلاح العطب، توفير المياه بالصهاريج، حماية السكان من المياه غير الصالحة للشرب، ومحاسبة كل جهة قصّرت في أداء واجبها.
وما لم تتم معالجة هذه الاختلالات بصورة جذرية، فإن أزمات الماء والكهرباء ستظل تتكرر، فيما يدفع المواطن وحده ثمن ضعف الخدمات وغياب الاستجابة الفعالة.
ومهما يكن من أمر، إن سكان النعمة لا يطالبون بامتيازات، بل بحق أساسي: أن يجدوا الماء في مدينتهم، وأن لا يتحول الحصول على برميل ماء إلى معركة يومية أو عبء مالي إضافي.
أربعة أيام من العطش كافية للتساءل: إلى متى ستظل خدمات الماء والكهرباء رهينة الأعطال والانتظار، بينما يدفع المواطن ثمن هذا الفشل من صحته وماله وكرامته؟
موقع صوت