عندما يتحول الابتزاز إلى شبكة تتقاطع فيها الأموال والمعلومات والنفوذ.!

ثلاثاء, 10/06/2026 - 21:13

لم يعد ما بات يعرف بـ«ملف المدونين» مجرد قضية تتعلق بمجموعة من الأشخاص يشتبه في ممارستهم الابتزاز عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بل أصبح ملفاً يطرح أسئلة أوسع بكثير من حدود الاتهامات الموجهة إلى المدونين أنفسهم.

فإذا كان التحقيق يبحث في شبهة ابتزاز بعض المسؤولين ورجال الأعمال، فإن السؤال الأكثر إلحاحاً هو: من كان يدفع؟ ومن كان يسرب المعلومات؟ ومن كان يستفيد من نشرها؟ ومن كان يستخدم المدونين لتصفية الحسابات أو تحسين صورته أو ضرب خصومه؟

الابتزاز، إن ثبت، جريمة لا تبررها حرية التعبير ولا صفة التدوين، ولا يمكن الدفاع عن تحويل المنصات الرقمية إلى أدوات للتهديد والتشهير وشراء الصمت.

لكن اختزال القضية في المدون وحده قد يعني تجاهل نصف الصورة، وربما أخطر نصف فيها.

ولعل المدون الذي يهدد مسؤولاً بنشر معلومات مقابل المال ليس بالضرورة الحلقة الوحيدة في سلسلة الابتزاز، فهناك في الجهة الأخرى، من يملك المعلومات، ومن يستطيع الوصول إليها، ومن يسربها، ومن يدفع مقابل نشرها أو مقابل حجبها، ومن يستخدمها لتصفية خصومه داخل الإدارة أو خارجها، وهنا تصبح القضية أكثر خطورة.

إذا كان بعض المدونين قد مارسوا الابتزاز، فمن أين حصلوا على المعلومات السرية التي استُخدمت في عمليات الضغط؟

وإذا كانت معلومات متعلقة بتسيير قطاعات حكومية أو صفقات أو قرارات إدارية تصل إلى مدونين خارج المؤسسات الرسمية، فإن التحقيق الجدي لا ينبغي أن يتوقف عند الشخص الذي نشر المعلومة، بل يجب أن يصل أيضاً إلى الشخص الذي سربها.

والأخطر من ذلك أن تكون بعض المعلومات قد سُربت عمداً، لا بهدف كشف الفساد أو خدمة المصلحة العامة، وإنما بهدف مهاجمة مسؤول أو وزير أو رجل أعمال، أو حماية طرف آخر، أو صناعة صورة إعلامية معينة مقابل المال.

وعندها لا نكون أمام «مدون مبتز» فقط، وإنما أمام منظومة مصالح متشابكة تجمع بين المال والمعلومة والنفوذ والإعلام الرقمي.

وقد أعلنت الحكومة أن التحقيق يستهدف شبكة يُشتبه في ممارستها الابتزاز المالي ونشر محتويات مسيئة وشراء الصمت وتهديد الأشخاص، مؤكدة أن التحقيقات مستمرة وقد تتوسع. وهذا الإعلان، بحد ذاته، يجعل من المشروع طرح سؤال جوهري: هل ستصل التحقيقات إلى جميع أطراف السلسلة، أم ستتوقف عند الحلقة الأسهل والأكثر ظهوراً؟

لماذا الآن؟

السؤال الآخر الذي يفرض نفسه يتعلق بتوقيت فتح هذا الملف.

ففي الوقت الذي تتحرك فيه الأجهزة الأمنية والقضائية بقوة في قضية المدونين، ما تزال قضايا أخرى تتعلق بالفساد والصفقات العمومية والتسيير المالي والإداري تثير أسئلة حول مصير التحقيقات التي سبق الإعلان عنها.

وهنا لا يتعلق الأمر بالمطالبة بإغلاق ملف المدونين أو التقليل من خطورة الابتزاز، وإنما بالمطالبة بالمعيار نفسه في جميع الملفات.

وإذا كانت الدولة تريد مكافحة الابتزاز، فلتفتح كل الملفات.

وإذا كانت تريد حماية سمعة المسؤولين والمواطنين، فلتتحرك ضد التشهير والابتزاز دون انتقائية.

وإذا كانت تريد حماية أسرار الدولة، فلتبحث عن مصدر تسريب تلك الأسرار قبل أن تبحث فقط عمن نشرها.

أما أن تتم محاسبة من نشر المعلومة، بينما يبقى من سربها أو دفع ثمن نشرها بعيداً عن دائرة التحقيق، فذلك سيترك الباب مفتوحاً أمام الشكوك والأسئلة.

الوجه الآخر للابتزاز

المفارقة الأكثر إثارة في هذا الملف هي أن الابتزاز قد لا يكون في اتجاه واحد.

فقد يكون هناك مدون يطلب المال مقابل السكوت، لكن قد يكون هناك أيضاً مسؤول أو رجل أعمال يدفع المال حتى لا يُذكر اسمه، أو يدفعه لضرب خصم، أو يسعى إلى شراء مساحة من الصمت أو صناعة مساحة من المديح، وهنا يصبح المال أداة لتوجيه المحتوى، وليس مجرد مقابل لعملية ابتزاز.

وإذا ثبتت مثل هذه الممارسات، فإن المشكلة لا تعود مشكلة «مدونين سيئين» فقط، وإنما مشكلة سوق إعلامية موازية يمكن أن تتحول فيها المعلومة إلى سلعة، والسمعة إلى ورقة تفاوض، والمديح إلى خدمة مدفوعة، والهجوم إلى عقد غير مكتوب.

وقد تداولت وسائل إعلام خلال الأيام الماضية معلومات عن شبهات تعامل مالي بين بعض المسؤولين ومدونين خارج البلاد، بما في ذلك مزاعم تتعلق بالدفع مقابل التغاضي عن بعض الملفات أو مهاجمة أطراف أخرى، وهذه تبقى، حتى الآن، معلومات متداولة وشبهات تحتاج إلى إثبات قضائي، لا حقائق نهائية.

أخطر ما في الملف

أخطر ما يمكن أن يكشفه التحقيق ليس عدد المدونين المتورطين، ولا حجم الأموال المتداولة، وإنما طبيعة الشبكة التي تقف خلف تدفق المعلومات والأموال.

فإذا كانت التحقيقات تتبع التحويلات المالية، فمن الطبيعي أن تتبع أيضاً مصادر الأموال.

وإذا كانت تتتبع المنشورات، فعليها أن تبحث في مصدر المعلومات.

وإذا كانت تبحث عن المستفيد من الابتزاز، فعليها أن تبحث أيضاً عمن استفاد من حملة التشهير.

وإذا كانت بعض المعلومات السرية قد خرجت من مؤسسات الدولة، فإن المسؤولية لا يمكن أن تنتهي عند بوابة مواقع التواصل الاجتماعي.

إن تسريب معلومة سرية من داخل مؤسسة حكومية ليس أقل خطورة من نشرها خارج المؤسسة، خصوصاً إذا كان التسريب مرتبطاً بمصلحة شخصية أو مالية أو بصراع نفوذ.

الخوف من أن تتسع الدائرة

لهذا السبب تحديداً، تبدو المخاوف من اتساع التحقيق لتصل إلى مسؤولين ووزراء وموظفين كبار مفهومة من الناحية السياسية والإدارية، دون أن يعني ذلك ثبوت أي اتهام ضد شخص بعينه.

فالتحقيق الذي يتتبع المال والمعلومات بصورة كاملة قد يجد نفسه أمام شبكة أوسع بكثير من دائرة المدونين ورجال الأعمال، وقد يقود مسار الأموال إلى شخص آخر لم يكن متوقعا، وقد يقود مصدر المعلومة إلى عضو أو مكتب حكومي، وقد يقود مضمون حملة إعلامية إلى صاحب مصلحة في استهداف مسؤول آخر.

وهنا يصبح الاختبار الحقيقي للتحقيق هو، هل يستطيع أن يصل إلى كل الأطراف، أياً كانت مواقعها؟

فالعدالة لا تكون عدالة إذا توقفت عند الحلقة الأضعف، ولا تكون مكافحة للفساد إذا اقتصرت على من يملك أقل قدر من النفوذ.

لا حماية للمدون ولا للمسؤول

ومهما يكن من أمر، فإن المطلوب في هذا الملف ليس حماية المدونين من المساءلة، كما أنه ليس حماية المسؤولين من الأسئلة.

المطلوب هو العكس تماماً: مساءلة الجميع، من يبتز يجب أن يحاسب، ومن يدفع للابتزاز يجب أن يحاسب، ومن يسرب المعلومات السرية لمصلحة شخصية يجب أن يحاسب، ومن يستخدم المال لتلميع صورته أو ضرب خصومه يجب أن يحاسب، ومن يستغل منصبه لتوجيه المحتوى الإعلامي لمصلحته يجب أن يحاسب، ومن يحول الإعلام والتدوين إلى سوق للتهديد والشراء والبيع يجب أن يتحمل مسؤوليته.

أما تحويل الملف إلى معركة بين «مدونين» و«مسؤولين» فهو تبسيط مخل لقضية تبدو، بحسب ما يثار حولها، أكثر تعقيداً.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنتهي القضية بمجرد توقيف عدد من المدونين وأقاربهم، بينما تظل الأسئلة الكبرى بلا إجابات: من دفع؟ من سرب؟ من استفاد؟ من حرّك؟ ومن اشترى الصمت؟

وإذا كانت التحقيقات جادة فعلاً، فإن نهايتها الطبيعية يجب ألا تكون إدانة المدونين وحدهم، ولا تبرئة المسؤولين مسبقاً، وإنما كشف السلسلة كاملة، من مصدر المعلومة إلى مسار المال، ومن صاحب المصلحة إلى المستفيد النهائي.

عندها فقط يمكن أن يتحول «ملف المدونين» من قضية ابتزاز عابرة إلى فرصة حقيقية لتنظيف الفضاء الإعلامي والإداري معاً.

أما إذا توقف التحقيق عند من يحمل الهاتف وينشر المنشور، وترك من يمول ومن يسرب ومن يستفيد خلف الستار، فإن المشكلة لن تنتهي؛ بل ستتغير فقط أسماء اللاعبين، وستبقى سوق الابتزاز مفتوحة لمن يدفع أكثر، وذلك عندما يتحول الابتزاز إلى شبكة تتقاطع فيها الأموال والمعلومات والنفوذ.!.

مولاي الحسن مولاي عبد القادر