
في وقتٍ تتعالى فيه أصوات المواطنين تحت وطأة الغلاء وتآكل القدرة الشرائية، اختارت الحكومة الموريتانية أن ترفع شعار “التقشف”، متذرعةً بالوضع الدولي والأزمة الاقتصادية العالمية. غير أن هذا الخطاب، بدل أن يُقنع الشارع، يكشف عن محاولة مكشوفة للهروب من المسؤولية، وتبرير سنوات طويلة من سوء التسيير، وغياب العدالة في توزيع الثروة، واستفحال الفساد في مفاصل الدولة.
لا أحد يجادل في أن التقشف، كمفهوم اقتصادي، قد يكون ضرورة في بعض السياقات، لكن شرط أن يأتي ضمن رؤية إصلاحية شاملة تبدأ من أعلى هرم السلطة، لا من جيوب الفقراء.
أما ما يجري اليوم، فيبدو أقرب إلى سياسة تحميل الأعباء للطبقات الهشة، بينما تظل منابع الهدر والفساد بمنأى عن أي مساءلة حقيقية.
وهنا تكمن المفارقة الصادمة وهي، تقشف يُفرض على من لم يعرفوا يومًا معنى الرفاه.
كيف يمكن مطالبة شعبٍ يعيش أغلبه تحت خط الفقر بشد الحزام أكثر؟ وأي منطق يبرر مطالبة مواطن بالكاد يوفر قوت يومه بالتضحية مجددًا؟
إن هذا الخطاب لا يعكس فقط انفصالًا عن واقع الناس، بل يكشف عن غياب حسّ العدالة، وتجاهل صارخ لمعاناة فئات واسعة لم تعد تحتمل مزيدًا من الضغوط.
لقد أخفقت حكومتنا في إدارة موارد البلاد، رغم ما تزخر به من ثروات طبيعية في مجالات المعادن والصيد والغاز.
وكان الأولى أن تُسخّر هذه الإمكانيات لتحقيق تنمية عادلة وشاملة، لا أن تُترك لتغذية مصالح فئة ضيقة من النافذين، الذين راكموا الثروات داخل البلاد وخارجها، بينما تتسع دائرة الفقر والتهميش بوتيرة مقلقة.
وفي مشهد يعكس تناقضًا فاضحًا، يُطلب من المواطن التقشف لدرجة التخلي عن بعض وجباته اليومية، بينما تستمر مظاهر البذخ داخل دوائر النفوذ.
أموال عامة تُهدر دون رقابة، وامتيازات تُمنح بلا استحقاق، وطبقة من “الأثرياء الجدد” تعيش في رفاهية مفرطة، تمتلك العقارات في الخارج، وتتلقى العلاج في أرقى المصحات الدولية، وتُدرس أبناءها في مدارس أجنبية، في حين يواجه المواطن البسيط انهيارًا متواصلًا في خدمات الصحة والتعليم داخل وطنه.
إن تدهور البنية التحتية، ورداءة الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وصحة وتعليم، ليست مجرد انعكاس لأزمة عالمية، بل هي نتيجة مباشرة لفشل السياسات العمومية وسوء التخطيط.
فالأزمات الدولية قد تضغط، لكنها لا تبرر استمرار الفساد، ولا تعفي من المسؤولية، ولا تفسر هذا التفاوت الصارخ بين فئات المجتمع.
وما يزيد من تعقيد المشهد، هو تصاعد العبء الضريبي على المواطنين، دون أن يقابله أي تحسن ملموس في جودة الخدمات.
بل على العكس، يشعر المواطن أنه يدفع أكثر مقابل أقل، في معادلة مختلة تُعمّق فجوة الثقة بينه وبين الدولة، وتغذي شعورًا متزايدًا بالغبن والإقصاء.
الأخطر أن خطاب التقشف لم يعد مجرد دعوة إلى ترشيد الإنفاق، بل تحول إلى تبرير ضمني لتقليص أبسط مقومات العيش، وكأن الفقر لم يعد ظرفًا طارئًا، بل سياسة يُراد تعميمها.
وهنا يتحول التقشف من أداة إصلاح إلى أداة ضغط اجتماعي، تُدار بها الأزمات بدل حلّها.
إن أي سياسة تقشف جادة لا بد أن تبدأ من تقليص نفقات الدولة غير الضرورية، ومراجعة الامتيازات، وفتح ملفات الفساد دون انتقائية، والعمل على استرجاع الأموال المنهوبة.
قبل ذلك، لا يمكن الحديث عن عدالة أو إصلاح، ولا يمكن إقناع المواطن بجدوى التضحية.
ومهما يكن من أمر، فإنه لا يمكن بناء استقرار حقيقي على حساب تجويع الشعوب، ولا يمكن تحقيق إصلاح اقتصادي دون إصلاح سياسي وإداري عميق، يضع حدًا للإفلات من العقاب، ويؤسس لعدالة اجتماعية حقيقية.
فالتقشف الذي لا يطال الفساد، ولا يحد من امتيازات النخبة، ليس إصلاحًا… بل إعادة توزيع للأزمة، ولكن هذه المرة على حساب الأضعف.
مولاي الحسن مولاي عبد القادر



















