
كشف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن وجود اتصالات غير مباشرة مع مالي عقب الأحداث التي شهدتها أخيراً منذ 25 إبريل/نيسان المنصرم بعد الهجوم الذي نفذه المتمردون الطوارق في جبهة تحرير أزواد، بالتحالف مع "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" التابعة لتنظيم القاعدة وتنظيم أنصار الإسلام والمسلمين الموالي للقاعدة على مدن الشمال ووصل إلى العاصمة باماكو.
وقال الرئيس تبون في مقابلة تلفزيونية بُثّت ليلة السبت إن "هناك اتصالات بصفة غير مباشرة في خضم هذه الأحداث"، دون أن يوضح طبيعتها والقنوات التي تتم عبرها، وأعلن استعداد بلاده للمساعدة على تجاوز الأزمة الحالية وتعقيداتها، "إذا طلبوا مساعدتنا فنحن جاهزون كما كنا دائماً منذ الستينات بحكم الأخوة والجوار".
وقال "لم يتأخر الوقت بعد للعودة إلى الحكمة وأتطلع أن يتجاوز الماليون هذا الوضع"، مضيفاً أن "الحل الوحيد هو العودة إلى الحوار مع الماليين، ويمكن العودة إلى دستورية المسار، لقد قلنا ذلك قبل عامين، لكن للأسف بعض المفلسين كانوا يرون العكس"، في إشارة إلى العودة إلى اتفاق الجزائر للسلام الموقع في مايو/أيار 2015.
وشدد على أنه "اتفاق مالي مالي وبرعاية أممية وأفريقية وتم بين الماليين أنفسهم وليس مقترحاً أو تدخلاً من الجزائر التي كانت طرفاً ضامناً فحسب".
وحذر الرئيس الجزائري من تدهور الوضع في الجارة الجنوبية لبلاده، وقال "مالي دخلت في مرحلة لا تؤدي إلا إلى الانزلاق، القوة لا تحل الأزمة وقد سبق أن جرّب الماليون ذلك، كما أنه لا يمكن جلب المرتزقة لقتل أبناء بلدك"، في إشارة إلى قوات الفيلق الأفريقي (مجموعة فاغنر سابقاً) الذي يساعد الجيش المالي.
ووجّه في السياق رسالة سياسية إلى قائد السلطة الانتقالية في مالي، أسيمي غويتا، قائلاً "أشهد أن القائد الحالي لمالي غويتا أشهد له أنه لم يشتم الجزائر، ولكن بعض من يعملون شتموا الجزائر وشتموا الدبلوماسية الجزائرية وهناك منهم من يشير إلى الجزائر عندما يتحدث عن دعم الجماعات"، مجدداً التأكيد على الموقف الذي عبّر عنه وزير الخارجية، أحمد عطاف، قبل أيام، بتمسك الجزائر بوحدة مالي، وإدانة نشاط الجماعات الإرهابية في هذا البلد.
وكانت أزمة دبلوماسية حادة قد تفجرت بين الجزائر وباماكو، منذ الانقلاب العسكري في مايو 2021، ولاسيما بعد استقبال الجزائر للشيخ محمود ديكو، أبرز المعارضين السياسيين وأهم المرجعيات الدينية المالية، وزادت الأزمة تفاقماً بعد إعلان باماكو في ديسمبر/كانون الأول 2023 إلغاء العمل باتفاق السلام الموقع في مايو 2015 في الجزائر، بين حكومة باماكو وحركات الأزواد. وتلا ذلك إسقاط الجزائر في إبريل/نيسان 2025 لطائرة مسيّرة تتبع الجيش المالي في منطقة حدودية بين البلدين، وسحبت باماكو سفيرها من الجزائر وردّت الأخيرة بالمثل وأغلقت المجال الجوي من وإلى مالي.
وقال الرئيس الجزائري ضمن المقابلة "ذهبت شخصياً مرتين إلى مدينة غاو في شمال مالي، والجنوب الجزائري مرتبط مع مالي، نحن مجبرون على التعامل مع بعض ويجب أن نعود إلى الحكمة"، ملمحاً إلى أن الجزائر يمكن أن تكرر نفس تجربة التجاوز المشترك لتوتر العلاقات الذي حدث مع النيجر. وأوضح "ما قمنا به مع دول أفريقية مثل النيجر هو مثال لكل أفريقيا، لقد بلغنا مرحلة مهمة من التوافق والثقة".
وقال تبون "نحن نتوجه أكثر إلى أفريقيا، وطلبت من وزراء التجارة وغيرها التعامل تجارياً مع الدول الأفريقية، لنشتري من الدول الأفريقية الحليب من أوغندا والموز نشتري من أفريقيا وغيرها ونبيعهم ما ننتج، ونعمل على مساعدة الدول الأفريقية في إدارة ثرواتها مثل تشاد التي ستبدأ في استقبال تجارتها البحرية عبر ميناء جنجن شرقي الجزائر، ومثل بوركينا فاسو التي سيقوم وفد من وكالة التعاون الدولي بزيارتها قريباً لحفر 12 بئراً".
لا رسائل من البابا
وتعليقاً على مجريات زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى الجزائر في 13 إبريل الماضي، نفى الرئيس الجزائري أن يكون بابا الفاتيكان قد أبلغه أية رسائل خاصة، رداً على تقارير إعلامية فرنسية زعمت أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي كان التقى البابا عشية زيارته إلى الجزائر، حمله رسائل سياسية إلى الرئيس الجزائري، تخص على وجه التحديد قضية الصحفي الفرنسي المسجون في الجزائر كريستوف غليز.
وأكد تبون "نشكر قداسة البابا، لأنه وضع حداً للخرافة التي روّج لها المستعمر السابق، من أنه هو من خلق الجزائر، لقد قال البابا إن الجزائر متجذرة في التاريخ مع القديس أوغسطين وقبل القديس أوغسطين"، رداً في ما يبدو على تصريحات سابقة لماكرون قال فيها إن الجزائر لم تكن أمة قبل الاستعمار الفرنسي. واعتبر تبون أن "زيارة البابا وضعت الجزائر في مكانها الطبيعي، التي يتجلى فيها دورها في تعزيز الحوار الإنساني والسلم"، مشيداً بزيارته مسجد الجزائر.
ورداً على سؤال حول سلسلة الزيارات الأخيرة لمسؤولين أميركيين إلى الجزائر، لا سيما قائد قوات "أفريكوم" الجنرال داغفين أندرسون ونائب وزير الخارجية كريستوفر لاندو، قال تبون "الأميركيون يدركون ثقل الجزائر، وهناك استثمارات ومشتريات أميركية بين البلدين، نحن منفتحون وتجاوزنا كل الأيديولوجيا، ما يهمنا هو العمل لصالح الشعب الجزائري ومصالح الجزائر".
وشدد "لا يجب أن يدفعنا أي طرف لنعمل ضد طرف آخر، كما لن تكون هناك أية قواعد عسكرية في بلادنا لصالح أي طرف"، مشيراً إلى أن القضايا العالقة في النقاشات مع الأميركيين تخص "قضية فلسطين، والتي لا يمكن أن تحل دون إقامة دولة فلسطينية على حدود الخامس من يونيو 1967، لأن سلم المقابر لن يحل الأمر والإبادة مكانها محكمة العدل الدولية، وقضية الصحراء الغربية الأمم المتحدة تقوم بعملها".




















