حين تتحول العطلة الحكومية إلى موسم للدعاية السياسية

جمعة, 06/26/2026 - 15:37

للعام الثاني على التوالي، تتجدد دعوة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني لأعضاء الحكومة وكبار المسؤولين لقضاء عطلهم السنوية داخل البلاد، في خطوة يُراد لها، بحسب أهدافها المعلنة، تشجيع السياحة الداخلية، وتحريك الاقتصاد المحلي، وصلة الرحم وتعزيز ارتباط المسؤولين بالمواطنين في مناطقهم، ومشاكلهم اليومية.

لكن ما حدث في ولاية الحوض الشرقي خلال العام الماضي، وما تلوح بوادر تكراره هذا العام، يثير تساؤلات جدية حول مدى التزام بعض أعضاء الحكومة بروح هذه التوجيهات، بعدما تحولت العطلة، في نظر كثيرين، إلى موسم للاستعراض السياسي، بدل أن تكون مناسبة للإنصات إلى المواطنين والوقوف على معاناتهم.

لقد شهدت الولاية، خلال عطلة العام الماضي، مظاهر تعبئة سياسية واسعة، رافقتها مواكب واستقبالات ووفود ضخمة، اعتبرها منتقدون خروجاً عن الهدف الذي من أجله صدرت توجيهات رئيس الجمهورية.

ويرى هؤلاء أن ما جرى لم يكن نشاطاً اجتماعياً أو تنموياً، بل حملة سياسية مبكرة استُخدمت فيها إمكانات كبيرة لإظهار النفوذ واستعراض القوة، وسط حديث متكرر عن توظيف المال العام أو الموارد العمومية في تمويل الأنشطة والوفود، وهي مزاعم تستدعي، إذا صحت، تحقيقاً ورقابة من الجهات المختصة.

ولعل الأخطر من ذلك أن هذه الأنشطة لا تعود بأي أثر ملموس على سكان الولاية، الذين يجدون أنفسهم كل صيف أمام موجة من الضيوف والوفود، وما يرافقها من أعباء اجتماعية واقتصادية، في وقت يعيش فيه المواطن أوضاعاً معيشية صعبة، ويكافح لتأمين احتياجاته الأساسية.

فالحوض الشرقي لا يحتاج إلى مواكب سياسية ولا إلى صور تذكارية للمسؤولين، بل يحتاج إلى مستشفيات قادرة على علاج المرضى، ومدارس تستجيب لمتطلبات التعليم، وشبكات مياه وكهرباء مستقرة، وطرق صالحة للسير، وأسواق تضبط الأسعار التي بلغت مستويات غير مسبوقة، إلى جانب حلول حقيقية للأزمة الاقتصادية التي أثقلت كاهل المواطنين.

كما تواجه الولاية تحديات أمنية وإنسانية متزايدة، في ظل استمرار تدفق اللاجئين الماليين، وما يفرضه ذلك من ضغوط على الخدمات والبنى التحتية المحدودة أصلاً.

وهي تحديات تستدعي حضوراً حكومياً عملياً، لا مجرد حضور إعلامي أو سياسي موسمي.

ويزداد المشهد إثارة للاستغراب مع تزامن الاستعدادات لاستقبال المسؤولين مع أشغال تنفذها وزارة النقل على الطريق الرابط بين تمبدغة والنعمة، حيث بدأت عمليات حفر في عدد من المقاطع المعروفة محلياً بـ"الصالات"، بالتزامن مع موسم الأمطار، وهو ما يخشى معه السكان من انقطاع الطريق بفعل السيول، في توقيت يثير علامات استفهام حول أولويات التخطيط والتنفيذ.

إن التنمية الحقيقية لا تتحقق عبر تنظيم المسيرات أو الحشود أو الولائم السياسية، وإنما عبر تحسين حياة المواطنين.

كما أن احترام توجيهات رئيس الجمهورية لا يكون بتحويل العطل إلى حملة نفوذ أو مناسبة لتسجيل النقاط السياسية، وإنما بالاقتراب من هموم السكان والعمل على معالجتها.

ويرى مراقبون أن نجاح مبادرة قضاء العطل في الداخل يبقى رهيناً بقرارات حازمة تمنع استغلالها سياسياً، وتضع ضوابط واضحة تمنع استخدام إمكانات الدولة في المنافسة السياسية، وتحمي المواطنين من الضغوط الاجتماعية التي ترافق مثل هذه المناسبات.

ومهما يكن من أمر، فإن الدولة، إن كانت تريد بالفعل أن تكون العطلة في الداخل صلة رحم، ورافعة للتنمية المحلية، فيجب أن تكون البداية بتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية التي تجعل الإقامة في هذه الولايات ممكنة للمواطن قبل المسؤول، وأن يتحول حضور أعضاء الحكومة إلى فرصة لصلة الرحم، وحل المشكلات، لا إلى موسم سنوي للاستعراض السياسي.

وحتى يتحقق ذلك، ستظل دعوة قضاء العطل في الداخل، بالنسبة لكثير من سكان الحوض الشرقي، مناسبة تتكرر كل عام دون أن يتغير معها واقعهم، بينما تبقى الخدمات غائبة، والأسعار مرتفعة، والطرق مهددة، والأمل في التنمية الحقيقية مؤجلاً إلى إشعار آخر.

مولاي الحسن مولاي عبد القادر