
ليس هناك من يدافع عن الغش في الامتحانات، ولا أحد يجادل في أن محاربته ضرورة وطنية لحماية قيمة الشهادة وإعادة الاعتبار للمدرسة.
لكن الطريقة التي أطلقت بها السلطات الوصية حملة مكافحة الغش تثير أسئلة مشروعة أكثر مما تقدم إجابات مقنعة.
فالانتقال المفاجئ من سنوات طويلة من التساهل، بل ومن ضعف الرقابة في كثير من المحطات، إلى تشدد غير مسبوق، خلق حالة من الارتباك والصدمة داخل أوساط التلاميذ، الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد دون تهيئة نفسية أو تربوية أو حملة توعية تسبق تطبيق الإجراءات الصارمة.
ولعل المفارقة، أن كثيرا من المسؤولين الذين يقودون اليوم معركة "تجفيف منابع الغش" هم أبناء منظومة تعليمية عرفت في مراحل مختلفة اختلالات كبيرة في الرقابة على الامتحانات، وتفاوتا في تطبيق القانون، وضعفا في حماية مبدأ تكافؤ الفرص.
ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي يقتضي الاعتراف بأن الأزمة لم تبدأ مع هذا الجيل، وإنما هي نتاج تراكمات امتدت لعقود، ساهمت في إضعاف الثقة في التعليم وفي قيمة الشهادات.
لقد عرف قطاع التعليم، خلال فترات مختلفة، مظاهر من الفوضى في تنظيم الامتحانات، وتكررت الشكاوى من حالات تسريب وغش وانتحال صفة وتزوير للشهادات، وهي ممارسات أضرت بمصداقية المنظومة التعليمية، وكان يفترض أن تواجه بحزم منذ بدايتها، لا أن تُترك حتى تتحول إلى جزء من المشهد الذي اعتاد عليه كثيرون.
إن تحميل التلاميذ وحدهم مسؤولية هذا الإرث يبدو أقرب إلى معاقبة الحلقة الأضعف، بينما يظل السؤال الأهم هو، أين كانت هذه الصرامة طوال العقود الماضية من "السيبة"؟ ولماذا لم تبدأ الدولة بإصلاح المنظومة من جذورها، عبر تحسين جودة التعليم، وتكوين المدرسين وخاصة الذين استفادوا من السيبة، وترسيخ ثقافة النزاهة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الإخلال بنزاهة الامتحانات، مهما كان موقعه؟
إن مكافحة الغش ليست قرارا موسميا يصدر مع انطلاق الامتحانات، وإنما مشروع وطني متكامل يبدأ داخل القسم، ويمر بالمدرس والمناهج، ويشمل الإدارة المدرسية، وينتهي عند الامتحان.
أما الاكتفاء بالإجراءات الأمنية والعقابية داخل قاعات الامتحان، فلن يعالج سوى أعراض الأزمة، بينما ستظل أسبابها الحقيقية قائمة.
فالتلميذ الذي نشأ في بيئة سمع فيها لسنوات أن الغش ممكن، وأن بعض المتحايلين يفلتون من العقاب، يحتاج إلى وقت حتى يقتنع بأن قواعد اللعبة تغيرت فعلا، وأن النجاح أصبح ثمرة الجهد وحده.
وهذا التحول لا يتحقق بالأوامر وحدها، بل ببناء الثقة وتطبيق القانون بعدالة واستمرارية على الجميع.
إن أخطر ما يمكن أن يقع هو أن تتحول حملة مكافحة الغش إلى استعراض موسمي للحزم، بينما تستمر الاختلالات البنيوية التي أنتجت الأزمة أصلا.
فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من التلميذ وحده، بل يبدأ من إصلاح الإدارة، وتعزيز الشفافية، وترسيخ مبدأ المساءلة، وضمان أن يكون القانون واحدا على الجميع دون استثناء.
ومهما يكن من أمر، إن المجتمع الموريتاني بحاجة إلى مدرسة تُكافئ الاجتهاد لا التحايل، وإلى شهادة تعكس الكفاءة لا الحظ، وإلى منظومة تعليمية لا تتغير قواعدها فجأة، وإنما تبني الإصلاح بالتدرج والوضوح والعدالة.
أما القفز من سنوات من التساهل إلى أقصى درجات التشدد دون تمهيد أو مراجعة شاملة، فإنه يهدد بتحويل معركة نبيلة ضد الغش إلى أزمة ثقة جديدة بين الدولة والتلاميذ، وهم الطرف الأقل مسؤولية عن تراكمات الماضي.
مولاي الحسن مولاي عبد القادر



















