
نص خطاب معالي الوزير الأول السيد المختار ولد أجاي أمام الجمعية الوطنية – السياسة العامة للحكومة
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على نبيه الكريم
السيد رئيس الجمعية الوطنية؛
السادة والسيدات النواب
يطيب لي، ابتداءً، أن أتوجه إليكم، سيدي الرئيس، وإلى السادة النواب المحترمين، موالاةً ومعارضةً، بخالص التحية وجزيل الشكر، مثمّنًا عاليًا ما حظيت به، من خلال هيئتكم الموقرة، طوال الفترة المنصرمة، من ثقة ودعم ومواكبة، وما بذلتموه من جهود مقدّرة في الاضطلاع بمهامكم في مجالات التشريع والمساءلة ورقابة العمل الحكومي.
فنجاعة السياسات العمومية تتوقف، في جزء معتبر منها، على ما تقرّه الجمعية الوطنية من تشريعات، وما تحرص عليه من صرامة في الرقابة وانتظام في المساءلة.
لقد أبان ما طبع عملنا المشترك من سلاسة وتقبّل لحرية الاختلاف عن ترسّخ ملحوظ لمبدأ فصل السلطات واستقلاليتها في منظومتنا الديمقراطية. ولا يخفى ما لهيئتكم الموقرة من دور مشكور ومقدّر في ذلك.
إنني لحريص، في هذا المقام، على أن أعرب عن عظيم شكري وبالغ تقديري لصاحب الفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، على ما أحاطني به من دعم ومواكبة دائمين وتوجيه مستنير طوال فترة تنسيقي لعمل الحكومة السابقة، وكذلك على ما منحني من ثقة أعتز بها، بتكليفه إياي باقتراح تشكلة الحكومة الجديدة وتنسيق عملها.
وبموجب هذا التكليف، وإنفاذًا لأحكام المادة 42 من الدستور، أقف اليوم أمام هيئتكم الموقرة، ومن خلالها أمام الشعب الموريتاني، صاحب السيادة ومصدرها حصرا، لعرض السياسة العامة للحكومة، مستحضرًا جسامة هذه المسؤولية الوطنية، ومدركًا تمام الإدراك أن الثقة تكليف قبل أن تكون تشريفًا، ومؤمنًا بأننا، بالجدية في العمل، والصدق والإخلاص في القصد، والوضوح في تحديد الأولويات، والشجاعة في اتخاذ القرار، والصرامة في متابعة التنفيذ، والاستعداد الدائم للمساءلة والتقييم، سنقطع معًا شوطًا مهمًا على طريق تحقيق تطلعات شعبنا وبناء الوطن الذي ننشده جميعًا.
ولا يسعني، وأنا بصدد تقديم هذا العرض، إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل والتهنئة المستحقة إلى أعضاء الحكومة السابقة، فردًا فردًا، على ما قدموه من تضحيات، وما بذلوه من جهود مقدرة في تنفيذ البرامج الحكومية، وما حققوه من حصيلة مشرفة، رغم التحديات الكبيرة التي واجهوها.
لقد واجهت الحكومة السابقة تحديات جسامًا، بعضها بنيوي، سبق أن فصلت فيه أمام هيئتكم الموقرة عند عرض بيان السياسة العامة للحكومة آنذاك، وبعضها الآخر مستجد، ارتبط بظروف دولية أو إقليمية أو وطنية.
وعلى الرغم من جسامة التحديات التي تواجه البلد، وما أضافته التحديات المستجدة من أعباء إلى التحديات القائمة، فإن الحكومة لم تدخر جهدًا في وضع اللبنات التي سمحت بها ظروف المرحلة، توطيدا لصرح الدولة الموريتانية وإسهاما في ترسيخ دعائمها وتعزيز قدرتها على الاستجابة لتطلعات شعبها وخدمة المواطنين أينما كانوا، تنفيذًا لبرنامج فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني.
لقد كان العامان المنصرمان، كما الأعوام الخمسة التي سبقتهما، حافلين بالعمل الوطني المكثف، والإصلاحات العميقة، والتحسن الملموس في البنى التحتية والنفاذ إلى الخدمات الأساسية، والتطور السريع في أهم المؤشرات الاقتصادية والتنموية.
فعلى الرغم من الأزمات الدولية، تمكنت بلادنا من المحافظة على معدلات نمو معتبرة، وتعزيز قدرة اقتصادها على الصمود وتنويع مصادره. فقد تجاوز متوسط النمو الاقتصادي 4% خلال الفترة 2019ـ2026، فيما يُتوقع أن يحافظ على مستويات تزيد على 4% خلال الفترة 2027ـ2029 ، على الرغم من آثار الحرب، كما أسهمت السياسة الاقتصادية والمالية المنضبطة في توفير هوامش ميزانوية ساعدت على تعزيز الصمود الاقتصادي والاجتماعي، وخفض نسبة الدين العام الخارجي إلى أقل من 40% من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2026.
وقد حرصنا، مراعاة لتداعيات الحرب في الشرق الأوسط، على توجيه جل ما أتاحته نجاعة السياسات الاقتصادية والمالية من هوامش ميزانوية لتعزيز الحماية الاجتماعية والتخفيف من أعباء المعيشة، من خلال تمويل الحكومة، اعتمادًا على الموارد الذاتية للدولة، برامج اجتماعية واسعة، بالتوازي مع تنفيذ برنامج استثماري هو الأكبر من نوعه في تاريخ البلد.
وفي هذا الإطار، على سبيل المثال لا الحصر، استفادت أكثر من 350 ألف أسرة، لأول مرة، من التحويلات النقدية. كما صُرفت مساعدات نقدية للمتقاعدين ولموظفي الدولة الذين تقل رواتبهم عن 120 ألف أوقية قديمة، ورُفع الحد الأدنى للأجور. وتجاوزت الاعتمادات السنوية المخصصة لدعم أسعار المحروقات والكهرباء 80 مليار أوقية قديمة سنة 2026 وحدها.
كما تضاعفت اعتمادات الأجور في ميزانية الدولة بين عامي 2019 و2026، بالتزامن مع زيادات معتبرة في الرواتب والعلاوات، كان آخرها زيادتان متتاليتان في رواتب أفراد القوات المسلحة وقوات الأمن خلال عامي 2025 و2026، فضلًا عن زيادة رواتب المدرسين وعلاواتهم سنة 2026. كما أُنشئ صندوق لسكن المدرسين استفاد منه، حتى الآن، أكثر من 1300 مدرس.
وفي مجال حصيلة السياسات الاجتماعية، توسعت قاعدة الضمان الاجتماعي، خصوصًا لفائدة المواطنين الأكثر حاجة، حيث ارتفع العدد الإجمالي للمؤمَّنين من 496 ألفًا سنة 2019 إلى أكثر من 1.4 مليون سنة 2026. وعلى وجه الخصوص، ارتفع عدد المؤمَّنين لدى الصندوق الوطني للتضامن الصحي، منذ إطلاق خدماته في شهر سبتمبر 2023، إلى أكثر من 279 ألف شخص. كما شمل التأمين، لأول مرة، الوالدين، فضلًا عن توفير التأمين الصحي لأكثر من 45 ألف طالب جامعي. وعُمّمت المنح على جميع طلبة التعليم العالي المنحدرين من أسر مسجلة في السجل الاجتماعي، ووُفّر لهم النقل المجاني من الحرم الجامعي وإليه.
كما جُسّدت توجيهات فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، بشأن فتح داخليات توفر السكن والإعاشة الملائمين لطلاب التعليم الثانوي. وقد فُتحت هذه الداخليات، حتى الآن، في ست مؤسسات للتعليم الثانوي، تقع في مدن بوسطيله وأوجفت وكيهيدي وألاك وكيفه وأطار.
وعلى الرغم مما اقتضاه هذا الجهد الاجتماعي الكبير من تعبئة استثنائية للموارد المالية، فقد نفذت الحكومة، بالتوازي معه، برامج استثمارية غير مسبوقة شملت توفير الخدمات الأساسية وتشييد البنى التحتية الضرورية للنمو.
وتعكس المؤشرات التالية حجم الإنجازات المحققة في هذا المجال.
فمنذ عام 2019، أُنجز نحو 7600 حجرة دراسية، استُلم نصفها تقريبًا بين عامي 2025 و2026 وتضاعفت القدرة الاستيعابية للتعليم العالي والتكوين المهني.
وفي المجال الصحي، شُيّد وجُهّز مستشفيان جهويان، ووُسّع ورُمّم مركز استشفائي وطني. وتتواصل حاليًا أشغال بناء خمسة مستشفيات جهوية، ونحو 65 مركزًا صحيًا، و114 نقطة صحية، إلى جانب أعمال توسعة وترميم خمسة مستشفيات وطنية. كما ستتعزز هذه الحصيلة بمشاريع البنية التحتية الصحية التي وضع فخامة رئيس الجمهورية حجر الأساس لها هذا الأسبوع، في إطار المرحلة الثانية من برنامج تنمية نواكشوط.
وفي الوقت ذاته، تحسن النفاذ إلى الماء الصالح للشرب بشكل ملحوظ؛ إذ حُلّت مشكلة الطمي في نواكشوط، وزاد إنتاج إديني بأكثر من الضعف، وتضاعف إنتاج آفطوط الشرقي ثلاث مرات، كما تضاعفت كمية المياه المتاحة لمدينة نواذيبو. وأوشكت الأعمال في مشروع مضاعفة مياه ”أظهر” على الاكتمال، وأُطلق مشروع تزويد الخط كوري- كيفه بمياه الشرب من النهر، ومشروع سقاية 165 تجمعًا سكنيًا بين لبراكنه وتكانت ولعصابه، ومشروع زيادة إنتاج آفطوط الساحلي. كما حُفرت 1340 بئرا جديدة منذ عام 2019، حفر حوالي نصفها في السنتين الاخيرتين. ويجري العمل حاليًا على تعبئة الموارد الضرورية لتمويل مشاريع هيكلية أخرى.
ونظير هذا الجهد بذل كذلك في مجال توسيع النفاذ إلى الكهرباء. فإضافة إلى إطلاق الأعمال في ثلاث محطات إنتاج جديدة، اقتُني 55 مولدًا كهربائيًا منذ عام 2019 لتوفير الخدمة في المدن الكبيرة، وتجري حاليًا كهربة أكثر من 400 قرية. كما عُبئت الموارد اللازمة لتمويل أكبر مشروع لنقل الكهرباء عرفته البلاد منذ استقلالها، وهو مشروع خط الجهد العالي نواكشوط–النعمة.
وشهد قطاع الطرق بدوره نشاطًا ملحوظًا منذ عام 2019. فقد أُنجز 784 كيلومترًا من الطرق الجديدة، وأُعيد بناء 997 كيلومترًا أخرى، فيما تتواصل أشغال بناء أو إعادة تأهيل 1431 كيلومترًا.
وعلى وجه الخصوص، انتهت أشغال إعادة تأهيل طريق الأمل، وأصبح سالكًا بعد معالجة مظاهر التدهور التي كانت تعيق انسيابية الحركة عليه. كما أُعيد بناء طريق بوكي–كيهيدي وتم بناء طريق كرمسين–ميناء انجاكو، وأُنجز الطريق الدائري لمدينة نواكشوط، إلى جانب 86 كيلومترًا من الطرق الحضرية في العاصمة.
ووصلت أشغال طريق النعمة–انبيكت لحواش إلى مراحلها النهائية وتتواصل الأشغال على محاور: تجكجة-سيلبابي و السواطة-مونكل و مونكل-باركيول وأطار-شنقيط وأمرج-عدل بكرو. وانطلقت أشغال إعادة بناء طريق أكجوجت–أطار. كما عُبئت الموارد وأُطلقت المناقصات لإنجاز طرق تمبدغه–بوسطيله، والطينطان–اطويل، واركيز–البزول، على أن تُطلق مناقصة طريق وادان قريبًا.
واكتملت كذلك الأشغال في ثلاثة جسور بنواكشوط، هي جسور التآزر والصداقة والحي الساكن، فيما تجري التحضيرات لإطلاق أشغال خمسة جسور جديدة.
وبالتوازي مع هذه الجهود في مجال البنية التحتية والخدمات الأساسية، عملت الحكومة على دراسة وتمويل وإطلاق مشاريع هيكلية أخرى، من بينها مشروع الصرف الصحي في نواكشوط ومشروع القناة الزراعية “سَكَّامْ”. ومن المقرر أن تنطلق أشغال بناء ميناء المياه العميقة في نواذيبو شهر يناير المقبل.
كما أطلقت الحكومة إصلاحات إدارية وقانونية استهدفت تحديث الإطار المؤسسي وتحسين أداء الإدارة العمومية وفعاليتها.
وفي هذا الإطار، صادقت الحكومة السابقة على 156 مشروع قانون وأحالتها إلى جمعيتكم الموقرة، كما صادقت على 383 مرسومًا تنظيميًا، شملت مجالات متعددة من الحياة الاجتماعية والاقتصادية والإدارية.
ومن أهم النصوص التي اعتُمدت في الفترة الأخيرة بهدف توفير الإطار القانوني والتنظيمي المحفز للاستثمار، وعلى سبيل المثال لا الحصر، مدونة جديدة للاستثمار، وقانون للشراكة بين القطاعين العام والخاص، ومدونة جديدة للطلبية العمومية، وقانون جديد لتطوير الأسواق المالية، وقانون لتعزيز المحتوى المحلي في قطاعي الصناعات الاستخراجية والطاقة، وقانون لتنظيم النشاط الصناعي، وآخر لتطوير الشركات الصغيرة والمتوسطة وتحسين تأطيرها.
ومن جهة أخرى، وفي إطار تحسين الحكامة، تمت المصادقة على القانون الجديد لمكافحة الفساد، والقانون المنظم للتصريح بالممتلكات والمصالح، والقانون المنشئ للسلطة الوطنية لمكافحة الفساد. كما أُعدّ قانون جديد لتنظيم المؤسسات والشركات العمومية.
وشملت الإصلاحات أيضًا تحديث الإطار القانوني المنظم للصيدلة، وإقرار إطار قانوني جديد ينظم المؤسسات الاستشفائية، والمصادقة على قانون خاص بالتقييم البيئي والاجتماعي، وآخر خاص بالشاطئ.
كما يُعدّ التوسع في رقمنة الإدارة العمومية من أبرز الإصلاحات التي شهدتها السنوات الأخيرة، لما يتيحه من تحسين جودة الخدمات الإدارية، وتيسير النفاذ إليها، وتوفير الوقت، وتعزيز الشفافية والإنصاف.
وتجسد رقمنة تنظيم المسابقات الوطنية، التي مكّنت من تعزيز الشفافية والفعالية فيما تم من إجراءات اكتتاب 3000 موظف جديد، مثالًا ملموسًا على النتائج الإيجابية التي حققتها الإدارة العمومية في مجال التحول الرقمي.
السيد الرئيس؛
السادة والسيدات النواب ؛
إن ما بُذل في الفترة المنصرمة من جهود كبيرة وتضحيات جسام، وما تحقق من إنجازات معتبرة، يظل عملًا بشريًا لا يخلو من النقص والقصور، وقد يشوبه أحيانًا الخطأ أو سوء التقدير.
واستحضارا لكل ذلك، سنواصل العمل لتأدية الواجب، فبالنسبة لنا أن كل ما أُنجز، على أهميته، يبقى دون طموح فخامة رئيس الجمهورية ودون مستوى انتظارات وتطلعات الشعب الموريتاني المشروعة لبناء دولة قادرة على توفير مقومات العيش الكريم لجميع مواطنيها.
فكل حصيلة تبقى ناقصة ما دام هناك رب أسرة شريف كريم، أو معيلة أسرة شريفة كريمة، في أحد أطراف مدننا أو في إحدى قرانا النائية، يقضي يومه مهمومًا، يكابد من أجل التوفيق بين دخل محدود، إن وُجد، وبين حاجات أسرته اليومية الملحّة.
ولن نرضى عن أي حصيلة ما دام هناك مواطن يكابد المرض دون علاج، إما لغياب الخدمة الصحية المناسبة، أو لعدم امتلاكه تكلفة العلاج.
ولن تكتمل فرحتنا بأي نتيجة للعمل الحكومي قبل أن يتمكن جميع أطفالنا من الدراسة في ظروف مناسبة ومتكافئة وتتجسد كل أهداف المدرسة الجمهورية كما رسمها فخامة رئيس الجمهورية. وستبقى الحصيلة إذا ناقصة ما دام هناك أطفال في سن التمدرس خارج الصف، بسبب العمل أو الإهمال أو عدم توافر الظروف الضرورية للدراسة، من معيشة، أو نقل أو سكن أو كتب أو أدوات مدرسية.
ولن نكتفي بأي حصيلة لا تضمن توفر الماء الشروب بشكل دائم لجميع مواطنينا في المدن والأرياف، دون الحاجة إلى تنقّل أم أو ابن أو بنت لجلبه بمشقة من أماكن بعيدة، ودون الاضطرار إلى دفع مبالغ مجحفة للحصول على شربة ماء.
وندرك أن الجهود الكبيرة التي بذلت لتحسين استمرارية الخدمة الكهربائية لم تمنع وقوع حادث احتراق المحطتين، الذي أثّر سلبًا في التحسينات الملموسة التي تحققت قبل وقوعه. وستعمل الحكومة على معالجة آثار الحادث، بالتوازي مع إصلاح الاختلالات الهيكلية في الشركة الموريتانية للكهرباء، بما يعزز موثوقية الخدمة واستدامتها، آخذين في الاعتبار توصيات لجنة التحقيق المستقلة بخصوص الحادث.
ولن يكتفي صاحب الفخامة بأي حصيلة لا تخلق ديناميكية اقتصادية تضمن توفير فرص عمل لشبابنا الجاد، الذي يقضي يومه، من الصباح إلى المساء، باحثًا عن فرصة عمل يبني من خلالها مستقبله، ويغطي حاجاته، ويساعد أباه أو أمه أو أخاه في تغطية حاجات أسرته.
وسيظل عملنا ناقصًا ما دام أي مواطن يشعر بالانتقاص من كرامته أو يتعرض للتمييز بسبب لونه أو أصله أو وضعه الاقتصادي أو الاجتماعي .
كما لن تكتمل المهمة ما لم ننجح في التخفيف من أعباء الأزمة العالمية وتداعياتها، بما في ذلك ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل وانخفاض فرص العمل، وما يترتب على ذلك من آثار سلبية على الظروف المعيشية للمواطنين، ولا سيما ذوي الدخل المحدود.
السيد الرئيس؛
السادة والسيدات النواب ؛
إن الحكومة التي أتشرف اليوم بعرض بيان سياستها العامة أمامكم لها مرجعية سياسية واحدة وحصرية، هي الرؤية والمبادئ المؤسسة للمشروع المجتمعي لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي يحمله برنامج “طموحي للوطن”. وهي بذلك تتحد مع الحكومة التي سبقتها في الالتزام بالعمل ضمن المحاور الخمسة لهذا البرنامج:
أولًا: دولة قانون ومؤسسات قوية وذات حكامة عصرية رشيدة
وسيسعى الجهد الحكومي إلى تحقيق هذا الهدف من خلال تكامل العمل في ورشات مختلفة، أهمها:
إصلاح نظامنا الديمقراطي وتطويره وترسيخه.
توطيد أسس دولة القانون بإصلاح شامل لنظامنا القضائي.
ترقية حقوق الإنسان وحرية التعبير، وتعزيز دور الإعلام وقادة الرأي وهيئات المجتمع المدني.
ترقية الحكامة الرشيدة من خلال المحاربة الجادة والفعالة لمختلف أشكال الفساد، وإصلاح الإدارة العمومية، وتعزيز الحكامة المحلية.
ثانيًا: اقتصاد قوي الأداء، صامد ومستدام بيئيًا
وسيرتكز الجهد الحكومي في هذا المحور على جبهات عمل متعددة، أهمها:
اعتماد الإصلاحات الهيكلية الضرورية لتحرير الاقتصاد وتشجيع الاستثمار، ودعم ومواكبة قطاعنا الخاص ليتمكن من لعب الدور المنوط به بوصفه محركًا رئيسيًا لخلق الثروة والنمو.
تصور برنامج متكامل لتطوير البنى التحتية الضرورية للنمو، وإعداده وتعبئة التمويل اللازم لتنفيذه.
إعداد برامج خاصة لتطوير جميع القطاعات التي يمتلك بلدنا فيها مقدرات اقتصادية.
استحضار البعد البيئي في جميع المشاريع والبرامج الاقتصادية المنفذة.
ثالثًا: رأس مال بشري ذو تكوين وتأهيل جيدين، خاصة فئة الشباب
إن قناعة صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، راسخة بأن مختلف جوانب السياسات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية تتوقف، في تنفيذها الناجع وتحقيق غاياتها ومقاصدها، على توافر رأس مال بشري ذي تكوين وتأهيل جيدين، خاصة من فئة الشباب.
ولبلوغ الهدف المنشود في تكوين رأس مال بشري بهذه الخصائص، ستركز سياسة الحكومة، بشكل متكامل ومتزامن، على روافع خمس هي: التعليم والتكوين والتشغيل والصحة والثقافة والرياضة.
وسيكون تكوين رأس المال البشري المنشود قائما على أساس متين من تعزيز وتجذر هويتنا الإسلامية والحضارية والثقافية وتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف.
رابعًا: وحدة وطنية قوية واندماج اجتماعي متكامل
إن أصل الأمر ومنتهاه، بخصوص الهدف المنشود على مستوى هذا المحور، هو ترسيخ وحدة الشعب الموريتاني وتلاحمه وتماسكه، بوصفه شعبًا واحدًا ينصهر كله في وحدة إيمانية وعقدية جامعة، ويوحده التاريخ المشترك، وتجمعه القناعة الراسخة بوحدة المصير وبالمستقبل الواعد.
وفي سبيل العمل على بلوغ هذا الهدف، ستنصب جهود الحكومة على ترسيخ القيم والمبادئ التي عبّر عنها صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في مناسبات عدة، وخصوصًا بمناسبة خطاب وادان وإعلان جول وخطابه أمام أطر انبيكت لحواش، وترجمتها في خطة عمل تتكامل مختلف محاورها في مواجهة النعرات القبلية والفئوية، والتعصب الشرائحي والطبقي، والتمييز على أي أساس كان.
و ستواصل الحكومة، بوتيرة أقوى، الجهود الهادفة إلى القضاء على التفاوت الاقتصادي البَيّن، وما ينشأ عنه من اختلال في توزيع الثروة والفرص، والعمل على توفير الخدمات الأساسية.
كما ستواصل الحكومة مختلف البرامج الاجتماعية التي تستهدف المواطنين الأقل دخلًا، وذوي الاحتياجات الخاصة، والمصابين بالأمراض المزمنة، مع ضمان تكاملها وعدالة معايير الاستفادة منها. وسيتم التركيز أيضًا على تمكين المرأة، بحيث تؤدي دورها الريادي اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا على الوجه الأكمل.
خامسًا: أمن واستقرار راسخان، ودور دولي وإقليمي فعّال
على مستوى هذا المحور، حُدد هدف أساسي يتمثل في توفير جميع الشروط والإمكانات اللازمة لحماية حرمة وقدسية حدودنا، وتوفير الأمن والاستقرار لجميع المواطنين الموريتانيين والمقيمين على أديم هذه الأرض الغالية،
وتحقيقًا لهذا الهدف الاستراتيجي، ستولي الحكومة بالغ العناية للترجمة الفعالة لجميع جوانب استراتيجيتنا الأمنية المندمجة، التي وضعها فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني.
كما ستولي عناية فائقة لإشكالية الهجرة، لما تنطوي عليه من تحديات أمنية واقتصادية وإنسانية جسيمة. وستواصل في هذا المجال الجهود التي بذلتها حكومات صاحب الفخامة منذ عام 2019، تنفيذًا لرؤيته وتعليماته في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية وتسيير الهجرة النظامية وضبطها.
وعلى صعيد آخر، ستستمر الحكومة في تجسيد رؤية صاحب الفخامة في مجال الدبلوماسية والعلاقات الدولية، التي تقوم على اعتماد سياسة خارجية نشطة، قائمة على مبادئ الاحترام المتبادل وحسن الجوار، وعلاقات الأخوة والصداقة والتعاون البناء، وتغليب الحوار والتفاوض، والالتزام بالمواثيق والمعاهدات الدولية، ودعم القضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، والمساهمة في استتباب الأمن والاستقرار إقليميًا ودوليًا.
السيد الرئيس؛
السادة والسيدات النواب ؛
مما سبق، يتضح جليًا أن هذه الحكومة لن تختلف عن سابقتها في ما يتعلق بالعمل على تنفيذ إعلان السياسة العامة الذي تشرفت بتقديمه أمام جمعيتكم الموقرة في سبتمبر 2024، ولا بشأن مواصلة تنفيذ الالتزامات التي تعهدت بها الحكومة، في إطار خطة العمل لسنة 2026 والبالغ عددها 228 نشاطا والتي استعرضتها على هذا المنبر يناير الماضي.
غير أنها، وعملًا بالتكليف الجديد الذي شرفها به فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، وتنفيذًا لتوجيهاته السامية، ستقوم، دون تأخير، بكل ما يلزم من تطوير في مناهج العمل وآلياته، وتحسين في صيغ التنسيق، وإعادة في ترتيب الأولويات، ورفع وتيرة تنفيذ البرامج، مع معالجة ما استبان من مواطن النقص والتقصير، وصون المنجز وتطويره وتنويعه وتوسيع دائرة شموله، والقيام بكل ما يلزم لحماية المواطنين، وخصوصًا ذوي الدخل المحدود منهم، ومواكبتهم في مواجهة تأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية.
السيد الرئيس؛
السادة والسيدات النواب ؛
بشكل محدد، ستواصل هذه الحكومة تنفيذ السياسات والبرامج والالتزامات التي أقرتها الحكومة السابقة، وفق الآجال المحددة مع تعزيز ما ثبتت نجاعته، وتصحيح الاختلالات التي كشف عنها تقييم المرحلة الماضية.
واستنادًا إلى نتائج هذا التقييم، وما أفرزته التطورات الاقتصادية والاجتماعية من تحديات جديدة، ستركز الحكومة، تنفيذًا لتوجيهات فخامة رئيس الجمهورية، على ثلاثة أهداف رئيسية ستشكل أولوية أولوياتها في المرحلة المقبلة، تتمثل في تكثيف البرامج الاجتماعية الموجهة إلى الفئات الأقل دخلًا والأكثر هشاشة، وتعزيز التنمية الاقتصادية والزراعية في الولايات الداخلية، وإرساء رؤية استراتيجية وطنية طويلة الأمد لتنمية البلد.
وعليه، فإن عنوان المرحلة المقبلة سيكون: تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وخلق ديناميكية اقتصادية وتنموية في الولايات الداخلية، والانتقال من منطق التخطيط على المديين القصير والمتوسط إلى اعتماد رؤية استراتيجية للتنمية على المدى البعيد.
ولذا ستعمل الحكومة على:
أولًا: إعطاء الأولوية لدعم القدرة الشرائية للمواطن من خلال إعداد وتنفيذ حزمة من التدابير الاجتماعية والاقتصادية، بشكل عاجل، تساعد في الحد من الآثار السلبية للأزمة العالمية على الظروف المعيشية للمواطنين، مع إعطاء الأولوية للفئات الأقل دخلًا والأكثر هشاشة، واتخاذ الإجراءات المناسبة استنادًا إلى التقييم المستمر للأوضاع الرعوية والزراعية، ولا سيما في المناطق التي سجلت عجزًا في التساقطات المطرية خلال موسم الخريف.
ثانيًا: إعطاء اهتمام خاص بتنمية الداخل من خلال إعداد خطة شاملة وبرنامج تنفيذي متكامل لتنشيط الحركية الاقتصادية والزراعية في الولايات الداخلية، وتطوير المدن الكبرى وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية، وتحفيز الاستثمار وخلق فرص العمل، بالاستناد إلى المزايا النسبية لكل ولاية ومدينة، بما يسهم في تحقيق تنمية اقتصادية وحضرية متوازنة ومستدامة.
ثالثًا: إعداد رؤية استراتيجية وطنية طويلة الأمد، وتحديد نموذج تنموي يجمع بين الطموح والواقعية، ويؤسس لخيارات تنموية واضحة ومستدامة، ويوفر إطارًا مرجعيًا لتوجيه السياسات، والبرامج الحكومية، وضمان اتساقها واستمراريتها.
وسيتم تحقيق هذه الأهداف من خلال سياسات وبرامج وإجراءات محددة، قابلة للتنفيذ والمتابعة والتقييم، جزء منها سيتم تنفيذه بشكل فوري ومباشرة بعد نيل الحكومة لثقتكم والجزء الآخر سيتم تقديم برنامج تفصيلي بشأن تنفيذه بمناسبة عودتي للمثول أمام جمعيتكم الموقرة نهاية يناير المقبل.
يتعلق الأمر بشكل أكثر تفصيلا بالسياسات والإجراءات التالية:
الهدف الأول: مواجهة آثار الأزمة الاقتصادية على الظروف المعيشية للمواطنين:
يمر عالمنا اليوم بأزمة حادة، تتداخل فيها التحديات الاقتصادية والاجتماعية مع التحولات الجيوسياسية المتسارعة، وتتعمق فيها الضغوط على الأسواق وسلاسل الإمداد، وتتقلب أسعار الطاقة والمواد الغذائية، وترتفع تكاليف النقل والإنتاج والتمويل.
ولهذه الظرفية الدولية المعقدة غير معلومة المآلات، التي يعيشها العالم منذ أكثر من ثمانية أشهر، أثَرٌ كبيرٌ متعدد الأبعاد على بلدنا، كما على سائر البلدان، على اختلاف مستويات قوتها وتطورها. وتنعكس هذه التداعيات بصورة مباشرة على معاش الأسر، وقدرة المؤسسات على الإنتاج، وهوامش حركة الحكومات في إدارة مواردها والتزاماتها.
فبلدنا، بحكم ارتباطه بالأسواق الخارجية، وبحكم التحديات البنيوية التي لا تزال تواجه اقتصاده، ليس بمنأى عن هذه التداعيات، فقد سجل مؤشر الأسعار ارتفاعاً تراكمياً بنحو 7.3% بين نهاية فبراير (بداية الحرب) ونهاية سبتمبر 2026. وهو ما يفرض علينا تعزيز قدرتنا على مواجهة الصدمات، وتطوير آليات الاستجابة، واستخدام الموارد المتاحة على نحو يوازن بين مقتضيات الاستقرار الاقتصادي وضرورات الحماية الاجتماعية.
ومنذ الأسبوع الأول للأزمة، أصدر فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، تعليماته بتعبئة الموارد الضرورية لتمويل حزمة متنوعة من الإجراءات الرامية إلى حماية القدرة الشرائية للمواطنين، ولا سيما الفئات الأقل دخلًا.
ونظرًا إلى استمرار الأزمة، وعدم وضوح الأفق الزمني لانتهاء الحرب وعودة الأوضاع إلى طبيعتها، فضلًا عن احتمال استمرار آثارها الاقتصادية حتى بعد توقفها، وجّه صاحب الفخامة الحكومة إلى اتخاذ التدابير والإجراءات والاحتياطات اللازمة، على أساس افتراض استمرار الأزمة حتى منتصف عام 2027، مع الشروع في إعداد الخطط المناسبة لمواجهة احتمال امتدادها إلى ما بعد ذلك.
وتنفيذًا لهذه التوجيهات، ستعمل الحكومة على مواجهة تداعياتها من خلال مسارين متكاملين. يركز أولهما على الحد من ارتفاع أسعار المواد الأساسية، فيما يستهدف ثانيهما دعم القدرة الشرائية للمواطنين الأقل دخلًا.
وستتوزع التدخلات في كلا المسارين بين إجراءات عاجلة وظرفية، وتدابير أخرى تستهدف تحقيق آثار مستدامة على المدى المتوسط والطويل.
فيما يتعلق بالأسعار، يقتضي التعامل الفعال مع ارتفاعها مراعاة التوازن بين حماية القدرة الشرائية للمواطنين وضمان استمرارية التموين، بما يحافظ على حوافز الاستيراد والتوزيع ويحد من مخاطر الندرة.
وانطلاقًا مما سبق، تلتزم الحكومة بما يلي:
مراجعة الآلية الحالية لتحديد أسعار المحروقات السائلة والغازية، بما يحد من انعكاس تقلبات الأسعار الدولية على المستهلكين، ويحول دون وصولها إلى مستويات لا يمكن أن تتحملها القدرة الشرائية للمواطن.
الاستمرار في تطبيق آلية تسقيف أسعار القمح والأرز والسكر والزيت وضمان فعاليتها عبر الردع الصارم لكل احتكار أو مضاربة مع إضافة مادة اللحوم إلى قائمة المواد المشمولة بهذه الآلية.
أما فيما يتعلق بدعم القدرة الشرائية للمواطنين الأقل دخلًا، فسيتم ذلك، تنفيذًا لتوجيهات فخامة رئيس الجمهورية، من خلال الاجراءات التالية:
تعويض أثر التضخم الناتج عن انعكاسات أزمة المعابر على القوة الشرائية للموظفين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين، وخصوصا ذوي الرواتب والمعاشات المحدودة، من خلال زيادات في الأجور والمعاشات أو من خلال دعم مالي مؤقت.
دعوة الشركاء الاجتماعيين إلى مفاوضات عاجلة تهدف إلى رفع




















